فخر الدين الرازي

6

شرح الفخر الرازى على الاشارات

أمرا وجوديا إذ لو كانت أمرا وجوديا لكانت لا تخلو اما أن تكون جوهرا أو عرضا فان كانت جوهرا كانت قابلية المحل للحال جوهرا مباينا عن المحل والحال وذلك محال لان قابلية المحل للحال نسبة مخصوصة للمحل إلى الحال ونسبة الشيء إلى الشيء مستحيلة أن تكون مباينة عن كل واحد من الشيئين فان كانت عرضا كان المحل قابلا لتلك القابلية فتكون قابليتها لتلك القابلية عرضا آخر ويلزم التسلسل والثاني أن قابلية الشيء لشيء آخر نسبة لذات القابل إلى ذات المقبول وانتساب الشيء إلى الشيء متأخر عن ذات كل واحد من المنتسبين فإذا قابلية الجسم للابعاد الثلاثة متأخرة عن ذات الجسم وذات كل شيء متأخرة عن مقوماته فلو كانت قابلية الجسم للابعاد من مقومات الجسم لزم تأخر هذه القابلية عن نفسها بمرتبتين وذلك محال فثبت أن هذه القابلية بتقدير أن تكون صفة ثبوتية لا يجوز أن تكون جزأ من ماهية الجسم فظهر بهذا فساد ما يجرى في الكتب من أن الجسمية عبارة عن نفس هذه القابلية ( البحث الثاني ) في ابطال الجزء الذي لا يتجزأ لما عرفت أن الجسم يقال بالاشتراك على أمرين أحدهما جوهر والآخر عرض فاعلم أن المقصود من هذا الفصل بيان أن الجسم بالمعنى الاوّل غير مركب من أجزاء لا تتجزأ ولا بد أولا من تفصيل المذاهب فتقول الجسم قد يكون مركبا اما من أجسام مختلفة الصور مثل بدن الحيوان أو من أجسام متشابهة الصور كالسرير وقد يكون مفردا مثل الماء الواحد إذا عرفت ذلك فتقول الأجسام المركبة لها أجزاء موجودة بالفعل متناهية وهي تلك الأجسام المفردة التي منها تركبت وأما الجسم المفرد فقد اختلفوا فيه وضبط المذاهب المقولة فيه أن يقال لا شك أن الجسم المفرد قابل للانقسامات فلا تخلوا ما أن تكون تلك الانقسامات الممكنة حاصلة فيه بالفعل أو لا تكون وعلى التقديرين فاما أن تكون تلك الانقسامات متناهية أو غير متناهية فيحصل من هذا التقسيم احتمالات أربع لا مزيد عليها فالأول أن يقال الأجسام مؤلفة من أجزاء كل واحد منها لا يقبل التجزئة بوجه وتلك الأجزاء متناهية في العدد الثاني أن يقال الأجسام مؤلفة من أجزاء موجودة بالفعل غير متناهية بالعدد الثالث أن يقال الانقسامات غير حاصلة بالفعل بل هي ممكنة الحصول مع أن تلك الانقسامات الممكنة متناهية الرابع أن يقال إن تلك الانقسامات غير حاصلة بالفعل بل هي ممكنة الحصول مع أنها غير متناهية والحق عند الشيخ هو القسم الرابع وغرضه من هذا الفصل ابطال القسم الأول فاعتمد في ابطاله على الحجة المشهورة وهي ان الجسم لو كان مؤلفا من أجزاء كل واحد منها لا يقبل التجزئة لكان الجزء المتوسط بين جزءين يلاقيانه اما أن يمنع الطرفين عن التلاقى أو يمنعهما لكن القسمان باطلان فالقول بتأليف الجسم من الاجزاء التي لا تتجزأ باطل اما الشرطية فلا شك في صحتها انما الشك في افساد قسمي التالي فاما بيان فساد القسم الأول وهو أن يقال بمنع الطرفين عن التلاقى فإنه لو كان كذلك لكان الجانب الذي منه يلاقى ما على أحد طرفيه غير الذي منه يلاقى ما على الطرف الآخر وذلك يوجب الانقسام وقد فرضناه غير منقسم هذا خلف واما بيان فساد القسم الثاني وهو أن يقال إنه لا يمنع الطرفين عن التلاقى فهو انه لو كان كذلك لكان كل واحد من الطرفين لاقيا للوسط بالكلية والمعنى بذلك هو أن يكون الإشارة إلى الوسط إشارة إلى كل واحد من الطرفين ولو كان كذلك لكانت الاجزاء متداخلة لكن القول بالتداخل يقتضى انقسام الاجزاء وبتقدير أن لا يقتضى ذلك فان القول به محال اما بيان ان القول بالتداخل يقتضى تجزئة الاجزاء فلان كل ما دخل في شيء ونفذ فيه فإنه يفترض هناك أمور ثلاثة على الترتيب فان النافذ لا بد وان يلاقى طرفه طرف المنفوذ فيه أولا ثم إنه يتحرك إلى المنفوذ فيه ثانيا ثم إنه يحصل بعد ذلك تمام النفوذ ثالثا ولا شك ان القدر الذي يلقى النافذ من المنفوذ فيه أولا غير الذي لقيه منه حال النفوذ والقدر الذي لقيه حال النفوذ غير الذي يلقاه منه عند حصول المنفوذ فيه بتمامه وذلك يوجب انقسام تلك الأجزاء واما بيان ان القول بالتداخل محال فلان الاجزاء المتداخلة اما أن تتداخل بالكلية أولا بالكلية فان تداخلت لا بالكلية كان الداخل من كل جزء في الا آخر غير ما لم يدخل فيه وذلك يقتضى الانقسام وان تداخلت بالكلية لم يزد مقدار الثلاثة على مقدار الواحد فعلى هذا لو انضم إلى مجموع تلك الثلاثة جزء رابع وخامس فإنه لا يزيد المقدار البتة فحينئذ لا يكون تألفها مفيدا للعظم والمقدار فإذا كان كذلك لم يكن العظم حاصلا من تألف تلك الأجزاء وذلك يبطل القول بتألف الأجسام منها فثبت بما ذكرنا فساد قسمي التالي فلزم منه فساد المقدم وهو تركب الجسم من الاجزاء التي لا تتجزأ وأما القائلون بالجزء فقد تمسكوا في اثبات مذهبهم بان قالوا لا شك في وجود الحركة